أين سنحقق هذا التواصل التربوي ؟

دور التواصل التربوي في تفعيل الحياة المدرسية:

ينطلق موضوع هذا العرض من فكرة التواصل و اهميته في الحياة العامة ، وفي الحياة المدرسية خصوصا ... فالتواصل انفتاح على تفاعلات و اقامة اتصالات و اجراء حوارات و تشاورات مع اطراف اخرى ... يبتغي اذا ، تحقيق اهداف عديدة ، اهمها تبادل الاراء والمواقف و الخبرات ... وكذا التعاون المشترك في الراي كما في العمل ، حول أمر ما من أجل انجازه أو معالجته أو متابعته في مراحل القيام به وحدوثه...

إن المحور العام للعملية التعلمية التعليمية والتربوية المرتبطة بالمدرسة ، هو التلامذة ـ أولادنا ـ ... ذلك أن الانسانية جمعاء في جميع الدول وبلدان العالم ،  وبحكم تجربتها في سياسة التنمية والتطور وتحقيق التقدم لشعوبها داخل برامج و مناهج ومخططات ، كلها اتفقت على أن العنصر الاساسي في التنمية ، ليس هو الراسمال أو الآلة أو غيرهما ، بل سيكون دائما هو العنصر البشري ... فإذا لم نهتم بتطوير وتربية وتطوير هذا العنصر البشري ، لن نفلح في أي برنامج أو تكوين أو تربية وتخطيط ... لن ينفع راسمال حينئذ ، كما لن تنفع آلة ، ما دام مستعملها  لا يتقنها ، او  هو مدمر لها غير مستفيد منها إلا بالشكل السلبي و ليس الايجابي ....

          هذا العنصر البشري عندنا إذا هو تلامذتنا أولادنا ، الذين يجب أن ينصب الاهتمام على تكوينهم وتربيتهم و تأهيلهم للحياة العامة و الخاصة ... فكيف نستطيع المساهمة خلال مرحلة دراستهم في تحقيق هذه الأهداف ؟

    تتشكل شخصية التلامذة من جوانب متعددة ... فهناك الجانب الجسدي المرتبط بالبدن و نموه السليم ورياضته التي تحقق له استقامة وحسن تطور وتقوية و توظيف لمؤهلاته ، وحسن استغلال و اكتساب مهارات واكتشاف ميولات في مختلف الرياضات وتقنياتها وأدائها داخل عمليات مركبة ، تجعل الاهتمام بالرياضة والتغذية و الحمية والتوازن بين البذل للجهد و الراحة ، وبين اتباع مسلك مرتبط ببيئة و وظيفة صحية مبتعد عن كل أشكال تدمير الصحة والوعي بالاخطار المحذقة بها كالمخدرات والتدخين وغيرهما ...

كما نجد الجانب النفسي الذي يعتبر بناء داخليا مركبا و خفيا و معقدا يتشكل منذ الولادة ، ويعطي طابع شخصية متميزة في ذات صاحبها ، مؤثرة على سلوكه و جنسه و رغباته ومحفزاته الحياتية ... و في بعض الاحيان تكون نفسية الفرد هي المحتاجة الى الرعاية والاخذ بعين الاعتبار و الاهتمام ... ذلك أنه كلما كان التوازن حاصلا في حياتها و سلوكها ، كلما كانت الشخصية قادرة على التصرف بما يناسب احتياجات البيئة والمحيط الذاتي الفردي والموضوعي المجتمعي عموما...

        يأتي الجانب العقلي ، الذي به يستطيع كل فرد أن ينظم  ويخطط و يفهم العالم المحيط به و طريقة التعامل معه و مع القضايا المطروحة فيه ... الجانب العقلي الذي بين التاريخ على أن التطور الحضاري و العلمي و التقني متوقف عليه ... يرتبط بعمليات الذكاء واكتساب المعارف و العلوم المناسبة للاندماج في وعي العالم و الوجود ، وفي انخراط داخل عملية تؤهل صاحبها للعمل والابداع والاختراع و الانتاج ... ولن يكون هذا الدخول الى هذا العالم دون المرور من الدراسة و التعلم منذ الصغر بالنسبة لاولادنا تلامذتنا ...

الجانب الحس ـ حركي ، و هو جانب مرتبط بالسلوك الخارجي الصادر في الاقوال و الافعال  عند الفرد ... وهو الذي يساعدنا على التواصل و التفاهم مع العالم الخارجي... كما انه الجانب الذي يساعدنا على التعبير والتصريف للاقوال و الافعال ... يسهُلُ علينا فهم الآخر من خلاله ، والتواصل معه من خلال ما صدر عنه به ... يسهُل علينا فهم السلوك العقلي و النفسي و الوجداني الذي يكون باطنيا خفيا ، فتترجمه السلوكات الخارجية المستعينة باللغة والحركة والفعل ...

هي إذا جوانب متعددة متداخلة ومركبة ومعقدة ، تحتاج منا الى الانتباه لعمليات تحقيق التوازن بينها و بين رغباتها و اولوياتها وتكاملها في أدائها لوظيفة بناء شخصية الانسان التلميذ(ة)...

ــــــــــــــــــــــ

وحينما ننتقل للحديث عن التواصل التربوي ، فإننا سنعني به كل الاطراف و الفاعلين المهتمين بتكوين هذا الفرد حتى يكون صالحا لنفسه و لأسرته و مجتمعه ...

        هنا سنتساءل : ما هي هذه الاطراف المعنية ؟ هنا سنبدأ الإجابة بالقول إن الدعوات التي وجهناها لحضور مادة هذا العرض التربوي ، كلها و غيرها معنية بهذا الفرد... سيكون هو الشتلة التي تحتاج الى تدخل كل واحد منا لسقايتها ورعايتها بحسب الادوار والمراحل والاختصاص ... المدرسة ـ الاسرة ـ دور الشباب ـ دور الثقافة ـ الجماعات المحلية ـ المؤسسات الوزارية و التي تنوب عنها محليا و اقليميا و جهويا ، كالمصالح النيابية و الاكاديمية ... كلها و غيرها معنية بهذا الفرد في تكوينه و متابعة تطوره ...

و بعد التعرف على أهم هذه الأطراف ، نتساءل عن موقع التواصل بينها و مدى أهميته ؟ فنجد الجواب الاولي ضمني داخله ... ذلك أن الفرد التلميذ(ة)، يعيش داخل فضاءات متعددة وليس فضاء واحدا... يتحرك بين عوالم متنوعة هي البيت و الشارع و المدرسة و النوادي الرياضية و الترفيهية ، والقاعات الثقافية والفنية ، ومؤسسات أخرى لها وظائف متنوعة ... كلها يتفاعل معها و تتم عمليات التأثير و التأثر معها ... ولعل عملية التاثر هي الغالبة و هي الواقعة والفاعلة في شخصية كل تلميذ و تلميذة  ...

من هنا ، تأتي أهمية هذا اللقاء في حديثنا عن التواصل .. هو تواصل بيننا و بينكم جميعا ، من أجل هدف مشترك بيننا و بينكم جميعا ، هذا الهدف هو الاهتمام تلو الاهتمام بشخصية التلامذة وتربيتها و وتتبع سلكها في النمو كما في الحياة الخاصة و العامة ... غايتنا جميعا هي حسن إعداد الفرد لكي ينخرط في حياة الحاضر و المستقبل بالشكل اللائق الذي يجعله أفضل منا ، أصلح لبناء الحياة والمساهمة في تطور مجتمعه و حضارته وثقافته ودينه ، ومع هذا البناء يعلو ويعلو بناؤه لأسرته ووسطه العائلي طبعا ... كلنا يفرح لنجاح ابنه او بنته في امتحان او اختبار او اداء رياضي او فني واو ابداعي ثقافي عام او اختراع تقني وعلمي وغيره ...فكيف نبني هذا الفرح مشتركين؟ كيف ننجح نحن في رعاية هذه الأزهار والعمل على حسن تفتحها ونضارتها وعيشها ربيع العمر بالشكل اللائق ، إنه ربيع الشباب و مرحلته الحيوية و القوية والمأمولة التي نريد عيشها ... ونحن نقول ليت الشباب يعود يوما .. ماذا ترانا نريد من عودته ؟ ستكون عودته مع الأجيال الصاعدة التي نعمل على تربيتها بالشكل اللائق والأفضل مما عاشت به الأجيال السابقة ... وتلك رؤية التقدم والتطور التي تنبني على قيم وأخلاق الحب و السلام والخير والتعاون والكرم و الفرح و السعادة والتفاؤل بالحياة و بالمستقبل...

ـــــــــــــــــــــ

أين سنحقق هذا التواصل التربوي ؟

بالنسبة لنا كمدرسين ، نبدا بالجواب بكون هذا التواصل يبدا في المنزل بين الاب و الام طبعا ... لكننا سنركز على الفضاء الذي نتفاعل فيه مع التلامذة ـ الأولاد ، ونقول إن أهم فضاء يستغرق من اليومي لكل تلميذ و تلميذة ، هو فضاء المدرسة ... فالساعات التي يقضيها داخل هذا الفضاء ،و أشكال التفاعل التي تتم فيه ، و الانجذابات وانواع التاثير و التأثر التي تكون في وسطه وبيئته ، كلها تؤكد على اهمية الوسط المدرسي بالنسبة للاجيال المتعلمة الشابة...

              وطبعا فالاباء و الامهات و اولياء امور التلامذة على وعي باهمية هذا الفضاء في تعلم اولادهم و تكوينهم و تاطيرهم و تاهيلهم للحياة و للمستقبل ...لذلك وجدنا الحديث في المذكرات الوزارية والجمعيات المهتمة بما نسميه ( الحياة المدرسية ) .

فالحياة المدرسية فضاء مكاني و زماني ... الحياة المدرسية سلوك  وتواصل وتفاعل ...الحياة المدرسية بناء للشخصية واكتشاف لمؤهلاتها وميولها ومواهبها وكذا طاقاتها الابداعية وقدراتها في الانجاز                                                                                                                                 للبطولات والنجاح في التحديات ...

 ونظرا لاهمية الحياة المدرسية ،وجدنا نصوصا تشريعية و قانوينة ومذكرات وزارية تهتم بها و تشجع عليها ... علما ان الوعي باهمية الحياة المدرسية عالمي كوني ، في جميع الدول و البلدان ، وبجميع اللغات ، يوفر كل الامكانيات المتاحة لتفعيلها و المساهمة في نجاحها... فهل يا ترى قمنا نحن بما يجب من اجل انجاح الحياة المدرسية ؟ سؤال يجرنا للحديث عما يحتاجه التلامذة في حياتهم المدرسية ... هل التلامذة هم في حاجة الى (القراية) فقط؟ بمعنى ان يتعلم داخل قاعة الدرس ويحصل على نقطة مؤهلة للنجاح ، وانتهى الامر ؟

خاطىء من يظن ذلك ... خاطىء من يعتقد بأن مهمته هي توفير ما يحتاجه الاولاد ماديا وترك مهمة التمدرس للمؤسسة التعليمية ...إن التلميذ(ة) ، يعيش موزعا بين فضاءات كما قلنا في بداية العرض ... وإن المناخ الذي يؤثر عليه في فضاء سينقل نفس التأثير على ادائه وعيشه داخل الفضاء الآخر ... ولعل البناء الشخصي و النفسي ، وكذا التوازن السلوكي الذي نبحث عنه عند كل تلميذ و تلميذة لا يتحقق الا بتحقق التوازن بين عيشه المتعدد داخل هذه الفضاءات ...فنحن نلاحظ المزاج الذي قد ياتي به كل تلميذ(ة) ،وكيف يكون مؤثرا على دراسته ... كما انكم تلاحظون اشكال المواقف و السلوكات المزاجية التي تحدث من طرفه حين عودته الى المنزل ,, وتشعرون بتاثير تفاعل تربوي وتعلمي يومي على شخص الولد عموما ... كم من المشاكل التربوية تحدث لهم في حياتهم ، فنحتاج جميعا للتدخل لايجاد حلول مناسبة لها ... نحتاج للتعاون من اجل معالجة وضعيات تربوية سلوكية حتى نخرج صاحبها من الحالة المرضية والشاذة إلى الحالة الصحية والسوية الملائمة ...

أنتقل الى سؤال آخر : ماذا ستكونه هذه الحياة المدرسية ؟ أليس الولد بين ايديكم ؟ الستم مكلفين به داخل فضاء المؤسسة و اقسامها و ملاعبها ؟ فما هو مطلوب منا لكي نساهم في هذه الحياة المدرسية ؟؟ أليست عندنا انشغالات جهادية في توفير القوت اليومي لهذه الاجيال الناشئة و الشابة؟

الحياة المدرسية ، تعلم و أنشطة مندمجة وموازية مكملة ... الحياة المدرسية فضاءات متنوعة للحياة و التعلم و التكوين ...

إن المدرسة العمومية اليوم تحتاج الى تدخل كل الاطراف من اجل ايجاد مخارج لمتطلباتها وحلول لمشاكلها  المادية والتربوية والتعليمية ... إن المدرسة العمومية اليوم تحتاج الى  اعادة الاعتبار ، وتاهيلها بمرافق وبنايات و اجهزة واطر لاجل قيامها بمهمتها على احسن وجه ... ان الشباب طاقات تحتاج الى تفجير عنفوانها ، وحينما لا تجد فضاء مناسبا لذلك ، فإنها تبحث خارجه ... وماذا ستجد خارجه ؟ الشارع .. فهل الشارع مؤهل لتربية الاولاد؟ لننظر للسلوكات والظواهر المنتشرة في الشارع... لننظر الى الفضاءات التي تفتح ابوابها للشباب ... سنجد قاعات الالعاب و سماسرة المخدرات و الادمان والانحراف ،عصابات تتربص بالذكور و الاناث ، لكي تجذبهم الى عالمها اللاتربوي .. وللاسف ، فانها ناجحة في عملها التدميري ،،، ما يجعلنا نتساءل : هل نستسلم للشارع أم يجب تظافر جهودنا لأجل محاربة استقطاب الشارع للشباب ، والمساهمة في خلق فضاءات لهم تربوية وتعلمية مناسبة تقنعهم وتكفيهم لتحقيق مبتغياتهم العمرية المرحلية والشخصية ؟ تلك مهمتنا في التواصل و الاجتماع و المناقشة الديمقراطية وتبادل الاراء و الاقتراحات لأجل النجاح فيها ... عملية حساسة و دقيقة تحتاج الى ذكاء خفي و امساك بالخيوط المناسبة لتفكيك عناصر الموضوع واعادة نسجها من جديد بالشكل اللائق ... و لذلك اجتعمنا ـ

القسم: 

Share this post

للتواصل الفوري