التنشيط التربوي

التنشيط التربوي

 ليست مهمَّة المدرِّس مُقتصِرة على حَقْن الأذهان بالمعلومات والأفكار والتصوُّرات والمواقف، بل إنَّه مُربٍّ، يُنمِّي الناحيةَ المعرفيَّة للمُتعلِّم، ويساعده على النموِّ من جميع الجوانب العقليَّة والرُّوحية والجسمية والنفسيَّة والعاطفية، ويُكسِبه الاتجاهات الصحيحة في الحياة والوجود، فتكون المعلومات وسيلةً لا غاية في ذاتها.

فليس المقصود - على سبيل المثال - أن "يعرف" الطالبُ أن الصدق صفةً حميدة، بل الهدف أن يتمثَّل الصدقَ في تعامُله وأقواله وأفعاله، وليس الهدف أن يحفظ القواعدَ، بل أن يُطبِّقها في مشاكله وحياته اليوميَّة (النَّزعة التطبيقية).

ولا ننسى أن من مهمَّاته تعليمَهم الإبداعَ والتفكير النَّاقد، إذًا تعليمنا في حاجة لمُعلِّم نَشِط، يعلم الحياةَ ويَربِطها بالواقع؛ من أجل تغييرها لا فَهْمها فقط (النزعة التغييرية).

 التنشيط التَّربوي:

عمليات يقوم بها المدرّس الفعَّال المُنتِج؛ لجعْل المتعلِّم في صُلْب العمليَّة التعليمية التعلميَّة، مُشاركًا مُنتِجًا مُبدِعًا نَشِطًا مُنتقِدًا بانيًا، عنصرًا فاعلاً في نفسِه ومحيطه.

من أهداف التنشيط التَّربوي: بناء المعارف، تحفيز المتعلِّمين، إشراكهم في الإنتاج، جعْلهم في صُلْب العملية التعلمية، مراعاة كفاءاتهم وذكاءاتهم المختلفة، تمكينهم من وضعيَّات قريبة من واقع حياتهم؛ أي ربْطهم بالحياة (التعلم من أجل الحياة).

 منتقنيات التنشيط التربوي: التدريس في مجموعات 6×6 - تقنية الرسول - التدريس بالمشكلات - دراسة حالة - خرجات ميدانيَّة استكشافيَّة للظَّواهر - العصف الذهني - العروض والنَّدوات التي يُسهِم فيها، ويُخطِّط لها المتعلِّمون (منكم وإليكم بتأطير من الأستاذ طبعًا).

 وتوقُّف نجاح التنشيط التربوي على سيناريو بيداغوجي محبوك بعناية، يشمل كلَّ عناصر التخطيط التربوي السليم؛ ويشمل رزمانة مُتكامِلة، تتضمَّن عدَّة المحتوى والأنشطة والتقويم والدَّعْم.

ويُحوِّلُ التنشيط التربوي الدرسَ من درس نظري إلى درس تتوافر فيه العناصرُ الأساس للتدريس الفعَّال المُجاري للواقع.

 يعني أن التنشيط التربوي يُعطي للدَّرس المعنى والرُّوح؛ كيلا تتحوَّل العملية إلى حشوٍ مُباشِر للتعليمات والموارد.

 المدرس الفعَّال: يَستثمِر كلَّ المقاربات التربويَّة والبيداغوجية الفعَّالة التي تجعل المتعلِّم في صُلْب العمليَّة التعليمية التعلمية.

 فالتدريس بالوضعيَّات والكفايات يدخل من صميم المِنهاج التربوي؛ كما أن الأستاذ مُطالَب بتحديد الأهداف الكفائيَّة البانية للدرس؛ لأن مُقاربة التدريس بالكفايات لم تُحدِث قطيعة مع الأهداف، وهذا يُجسِّد التلاحمَ والترابطَ الموجود بين المقاربات والبيداغوجيات، فحاجة المُدرِّس والسيناريو البيداغوجي، هو المُحدِّد لنوعِ المُقارَبة المعتمَدة.

 نماذج وتعريفات مُوجَزة لبعضها، وهي كثيرة:

  • تقنية العصف الذهني" (:(Brainstormin عبارة "العصف الذهني" هي ترجَمة للفظ الإنجليزي (brainstorming)، وقد تُترجَم أيضًا بعبارات أخرى كتحريك الفِكْر، أو التداعي الحر للأفكار، أو إثارة الذِّهن، أو الزَّوبعة الذهنيَّة؛ للإشارة إلى وضعيَّة (مشكلة) تتطلَّب حلاًّ؛ مما يجعل الذهنَ في حالة شبيهة بالزَّوبعة أو الفوران نظرًا لتعدُّد الحلول وتَعارُضها، والأمر يقتضي هنا قَبُولها كُليَّة دون نَقْد أو تقييم.

 

  • تقنية "لعب الأدوار" ((Jeu de rôles تقرأ الجماعةُ المتطوِّعة للعب الأدوار نصًّا أو حكاية تتضمَّن شخوصًا وأدوارًا وأحداثًا، ويعملون على تشخيصها (ارتجالاً أو إعدادًا) أمام بقيَّة المشاركين، وبعد التمثيل يُفتَح بابُ النقاش حول الأداء والمواقف.
  • تقنية "دراسة الحالة" (Etude de cas): يُقدِّم كلُّ مُشارِك رأيَه في حالة أو وضعية معروضة تُلامِس واقع المتعلِّمين، مُدعمًا بحُجَج، سواء داخل جماعته أو أمام الجماعة الكبرى (الحالة هي وضعيَّة - إشكالية مؤسَّسة على تَجرِبة واقعيَّة أو مُفترَضة).
  • تقنية "الشهادة" (Témoignage): يَحْكي كلُّ عضوٍ شهادةً واقعية (تَجرِبة معاشة) لها علاقة بالموضوع المدروس؛ لكي تَحظى الشهادةُ باستحسان الأعضاء، يجب أن تخضع لإجراءات منهجيَّة، يحكي كلُّ شخص تَجرِبةً واقعية تَعرَّض فيها لانتهاكات حقوق الإنسان مثلاً.
  • تقنية "لغة الصورة" (Photolangage): أمام مجموعة من الصور المتنوِّعة المُلقاة على طاولة، يختار المشاركون بصمتٍ صورة أو أكثر، ثم يُعلِّلون سببَ انتقائهم لتلك الصور التي أثارت اهتمامهم.
  • تقنية "فيليبس 6x6" (6x6 Philip) يَنقِسم المشاركون إلى جماعات، كل جماعة تَضُم 6 أعضاء، في ظرف 6 دقائق، يُقدِّمون إجابات دقيقة ومُركَّزة عن سؤال مطروح أو حلولاً واقعية وعملية لمشكلة ما، أو أفكارًا مُدعَمة بحُجَج حول حالة موضوع الدراسة.

 أنماط التنشيط:

1- المتعلم ميَّال بطَبْعه وسجيَّته للتعلُّم الذَّاتي والمشارَكة الفعَّالة والحركة الدؤوب، خصوصًا في السَّنوات الأولى من العمر (مراحل تكوُّن الشخص) إلى حدود مرحلة الشباب، وقد تتجاوزها.

  • يرفض المتعلِّم لغة (اصمُت واستَمِع)، يرفض الوصايةَ والأوامرَ مُعلَّلة أو غير مُعلَّلة؛ ولكنه يستجيب للطبيعة والحياة والتَّجارِب، وهنا تتجلَّى قدرةُ المدرِّب على القيادة الذكيَّة.
  • فمَا القيادة الذكيَّة؟ أن تتماهى مع المتعلِّم لتحس بأحاسيسه، ويتحوَّل العائق التعليمي إلى مجال للإبداع والتفكير والإثراء إذا ما أَحسَن الأستاذ (المدرِّب، القائد) استثمارَ أفكار المتعلمين وحيويَّتَهم، وجرّهم الجر الذكي.
  • لذلك ينبغي أن يكون الأستاذ في قمة صفائه الذهني؛ ولهذا السبب يُقدَّر رجلُ التربية والتعليم في الدول المتقدِّمة التي تَحترِم مُتعلِّميها!
  • ينبغي أن تتحوَّل دروسُ وحدةِ التربية البيئية مثلاً في مادة التربية الإسلامية للسِّلك الثانوي الإعدادي (ودروس العربية والفرنسية والرياضيات...) إلى أنشطة حيويَّة يَحتكُّ فيها المتعلِّم بالبيئة والمُحيط، خصوصًا في أجواء فَصْل الربيع، حيث يُدرِك المعاني الحيَّة للجِبال والأنهار والوِدْيان والسماء والأرض، يُدرِك معنى الحياة، ويحس في قرارة نفسه أنه مُفرِّط فيها ومُفرِّط في استغلالها واستنزاف خيراتِه، وأنَّ التقدم الظاهر اليوم إنما هو تقدُّم وهْمي؛ لأنه مبنيٌّ على استنزاف خيرات الكون، وليس مبنيًّا على فلسفة التنمية المستدامة (نعيش وتعيش معنا الأجيال).
  • في العالم الخارجي نَفْهَم: التلوث البيئي - والمحميات - والتوازن البيئي - الكائنات الحية وغير الحيَّة (...) نَفْهم الترابط المُبدِع الدقيق بين تلك العناصر جميعها.

2 - وهناك تنشيط من الدَّرجة الثانية، إذ يُمكِن أن نُعوِّض العالمَ الخارجيَّ بالصُّور والوثائق والصُّوت في صِيغ برانم أو عُروض أو برامج شبكيَّة؛ أي: برامج هادفة مُختَارة بعناية ودِقَّة عالية، تُركِّز على المفاهيم وتنزيلاتها الواقعية، تُحاكي وتتماهى مع الأحداث؛ لذلك فينبغي أن يكون الأستاذ مُلِمًّا بالتقنيات والوسائل الحديثة، إنْ على المستوى النظري أو التَّدبير البيداغوجي الديداكتيكي؛ من أجل حُسْن استثمار تلك الوسائل التي تَدخُل في صميم العملية التعليمية التعلُّميَّة، خصوصًا في عصْر الانفجار المعلوماتي والتِّقني، كنا نتحدَّث في الماضي عن مُعينات ديداكتكية أو تقنيات مساعدة أو وسيلة من وسائل التنويع لكَسْر الرَّتابة والمللِ، ولكنَّها تَحوَّلت في وقتنا الراهن إلى أساس من أسس التعليم والتعلم.

الأستاذ ليس في حاجة لوثائق وصياغات موجودة سلفًا مُقرَّرة يُنزِلها تنزيلاً، بل في حاجة إلى إبداع وقدرة على مراعاة الفروق الفردية لدى مُتعلِّميه؛ لأنَّه أدرى بهم، فالبرامج الغيرية مُعينات يمكن - بل يجب - التصرُّف فيها للملاءمة والضبط، (مراعاة السن، الجِنْس، المستوى الدراسي والمعرفي، المهنة، الوسط الاجتماعي، مراكز الاهتمام، والتجارب والخبرات).

وبمنطق الفعالية فإن البِناء الفعَّال للعملية التعليمية التعلمية يقتضي بناءً فعَّالاً لدرس يَستجيب لمعايير النشاط، لا برامج أو أشكالاً مُعيَّنة تُفرَض فرضًا وتنزل تنزيلاً؛ وهي غير مُتكيِّفة مع خصائص القِسْم.

3- وهناك تنشيط من الدرجة الثالثة: يتمثَّل في التقيُّد بالكتاب المدرسي، وتقسيم المتعلِّمين إلى مجموعات (التعليم التعاوني)، يكون فيه المدرس مجرَّد مُنشِّط ومسيِّر للتعلمات، يبني المفاهيمَ من خلال مداخل مناسبة يختارها بعناية، ويُشرِك فيها المتعلمين من خلال استكناه ما يَجُرُّهُم وما يُنفرهم، ما يروقهم كثيرًا وما يؤثِّر فيهم قليلاً: (الاستكناه الذَّكي).

4- وهناك (تنشيط) مُنتشِر في الدول المتخلفة، يروم حراسة المتعلمين والمتعلمات إلى أن تنتهي الساعة ثم يقذف بهم في الشوارع والأزقَّة! تعليم تكميمي بمعنى الكمِّ، وبمعنى تكميم الأفواه بالجهل والأميَّة.

خلاصة القول:

على ماذا يتوقَّف التنشيط الفعَّال؟

يتوقَّف على جُمْلة من العناصر منها:

  • سياسة تعليمية عادلة ومُنصِفة.
  • مدرس فعَّال مُحفِّز مُحفَّز، لئلا يحس بغَبْن يدفعه للكسل.
  • مِنهاج مناسب، تتوافر فيه شروط الفعالية؛ أي: تَخدُمها ويُعزِّزها.
  • تكوين مُستَمِر فعَّال للمدرسين.
  • مُتعلِّم يستوفي شروط التعلُّم (الكفايات المطلوبة في المستوى).
  • فضاء تربوي مناسب وعدد محدود من المتعلمين؛ لتُيسِّر عملية التَّنشيط، فضلاً عن الوسائل الحديثة (التكنولوجيات الجديدة للإعلام والتواصل) الداعمة البانية للتعلم النَّشط.
القسم: 

Share this post